السيد كاظم الحائري

633

تزكية النفس

فيما لو فرض أنّ الشفاعة تكون بمعنى أنّ الشفيع هو الذي يغفر ذنب العبد في مقابل إرادة اللّه تعالى ، في حين أنّ المدّعى هو : أنّ الشفاعة تكون أساسا بإذن اللّه ، ثمّ يكون الغفران من اللّه كاستجابة لدعاء الشفيع . وهذا أبعد ما يكون من الشرك ، ومنسجم تماما مع فكرة التوحيد . وليس انسجام الشفاعة مع فكرة التوحيد متوقّفا على تفسيرها بكون اللّه - تبارك وتعالى - هو الذي أراد العفو ، فأمر وليّه الشفيع بشفاعة المشفوع له ، بل يكفي في ذلك افتراض كون الشفيع داعيا للّه بإذنه في طلب العفو للمذنب ، واستجابة اللّه - تعالى - لدعوة وليّه سنخ استجابته لكلّ دعاء آخر ، ولو كان الإيمان بهذا شركا لكان الإيمان بالدعاء - أيضا - شركا ، في حين أنّ القرآن يقول : . . . ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ . . . « 1 » . والثاني : أنّ الشفاعة تستلزم كون الشفيع أكثر رحمة من اللّه تعالى ؛ لأنّه لولا شفاعته لما غفر اللّه لهذا العاصي ، ولكنّ شفاعة الشفيع اقتضت شمول العفو والمغفرة له . والجواب : أنّ صفة الرحمة والشفقة بمعناهما العاطفي الراجع إلى نوع من التأثّر الإنساني ، موجودة في الشافعين بما فيهم الأنبياء والصدّيقون وجميع المعصومين عليهم السّلام ، ولكنّ اللّه تعالى منزّه عن ذلك ، وإنّما الرحمة الثابتة للربّ تكون بمعنى مجرّد عن شوائب التأثّر والانكسار العاطفي ، فإذا كان العاصي واصلا في مستوى عصيانه إلى حدّ لا يستحقّ رحمة الربّ تعالى ، ولكنّه لم يكن واصلا إلى مرتبة لا تشمله العطوفة التأثّريّة الإنسانيّة النزيهة الموجودة في الصلحاء ، أو كان واصلا إلى تلك المرتبة ولكنّه لاقى من العذاب ما هيّأه لشمول العطوفة الإنسانيّة له ، ولم يكن بعد مشمولا للرحمة الإلهيّة المجرّدة عن شوائب التأثّر ، اتّجهت إليه رحمة الشفيع الإنسانيّة التي تكون ساحة الربّ منزّهة عنها ، ولم تتّجه إليه الرحمة

--> ( 1 ) السورة 40 ، غافر ، الآية : 60 .